الصفحة الرئيسية  ==> ردود و شُبُهات  ==> أدب الإختلاف

 

الحمدلله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه و على آله و صحبه الغر الميامين

   أما بعد

فهذه رسالة كتبتها توضح أخطاء صاحب موقع المجهر ليس في حق الداعية الحبيب علي الجفري و حسب بل هي في تضليل كثير من أئمة الهدى و الرشاد الذين كان لهم قدم صدق في خدمة الأمة الإسلامية.

و أقدم هذه الرسالة لكل مؤمن صادق في إيمانه ممن ضللهم المجهر بأقواله الزائفة و تشكيكاته الباطلة, وأقول لهم إن الإختلاف موجود منذ زمن الصحابة و لم نر أحدا منهم حذا حذو المجهر في التكفير و التسفيه و التضليل لكل من يخالف رأيهم بل تأدبوا بآداب الشرع و امتثلوا أمر نبيهم محمد صلى الله عليه و سلم في التناصح بالرفق و اللين و الموعظة الحسنة.

قال الشاطبي في الإعتصام (2/191) : إن الإختلاف من زمان الصحاب إلى الآن واقع في المسائل الإجتهادية, وأول ما وقع الخلاف في زمان الخلفاء الراشدين المهديين ثم في سائر الصحابة, ثم في التابعين و لم يعب أحد ذلك منهم, و بالصحابة اقتدى من بعدهم في توسيع الخلاف.
فكيف يمكن أن يكون الافتراق في المذاهب مما يقتضيه الحديث (حديث الافتراق)
قال القاسم بن محمد : كان اختلاف اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم رحمة الناس.
و عنه : لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم في أعمالهم لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة و رأى أن خيرا منه قد عمله.
و قال عمر بن عبدالعزيز :
ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يختلفوا, لأنه لو كان قولا و احدا, كان الناس في ضيق, وأنهم أئمة يقتدى بهم, و لو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة.

و عنه قال : ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم. (جامع بيان العلم لابن عبد البر 2/901-902)

و عن يحي بن سعيد قال : ما برح المستفتون يستفتون, فيحل هذا و يحرم هذا فلا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله, و لا يرى المحلل أن المحرم هلك لتحريمه. (تاريخ بغداد 8/42)

و ذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوى :" صنف رجل كتابا في الاختلاف فقال احمد لا تسمه كتاب الاختلاف, و لكن سمه كتاب السعة". (30/79)

و في سنن الدارمي (1/159) :" باب في اختلاف الفقهاء . عن حميد قال : قلت لعمر بن عبدالعزيز لو جمعت الناس على شيء؟ فقال ما يسرني انهم لم يختلفوا. ثم كتب الى الآفاق- أو إلى الأمصار- ليقضي كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم".

و في التمهيد لابن عبد البر ج9/ص229 : "قال سمعت سفيان الثوري يقول إذا رأيت الرجل يعمل بعمل قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه ".

و في الكفاية في علم الرواية ج1/ص402 :" قال حدثني أبو أحمد محمود بن غيلان قال سمعت بن المبارك يقول اني لأسمع الحديث فاكتبه وما من رأيي ان اعمل به ولا أن أحدث به ولكن أتخذه عدة لبعض أصحابي ان عمل به أقول عمل بالحديث".

و في حلية الأولياء (ج6/ص332):
"سمعت مالك بن أنس يقول شاورني هارون الرشيد في ثلاث في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه وفي ....فقلت يا أمير المؤمنين أما تعليق الموطأ في الكعبة فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
اختلفوا في الفروع وتفرقوا في الآفاق وكل عند نفسه مصيب .."

و في المغني لابن قدامة المقدسي (ج1/ص17) :
" وجعل هذه الأمة مع علمائها كالأمم الخالية مع أنبيائها وأظهر في كل طبقة من فقهائها أئمة يقتدى بها وينتهي إلى رأيها وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام  وأوضح بهم مشكلات الأحكام  اتفاقهم حجة قاطعة
واختلافهم رحمة واسعة .."

و أختم هذه الآداب بأدب من آداب المتأخرين الذين عاصرناهم .. فهاهو الألباني يختلف مع ابن تيمية في مسألة فناء النار و نحن نعلم أنها مسألة عقائدية فلم يكفره و لم يجعله ضالا أو سفيها بل جعلها زلة عالم ... و ليت شعري من هو المعصوم من العلماء
في
رفع الأستار لابطال أدلة القائلين بفناء النار (ص47) :"وختاما أقول : لقد خرجت من دراستي لهذه الرسالة النافعة للأمير الصنعاني رحمه الله تعالى بالعبر الآتية : الأولى : أنني ازددت إيمانا ويقينا بالقول المأثور عن جمع من الأئمة : ( ما منا من أحد إلا رد ورد عليه إلا النبي صلى الله عليه وسلم ) . فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية زلت به القدم فقال قولا لم يسبق إليه ولا قام الدليل عليه ومن هنا قالوا : ( زلة العالم زلة العالم ) فلو أننا كنا مبتلين بتقليده كما ابتلي كل مقلد بتقليد إمامه لزللنا بزلته ولذلك قالوا : ( الحق لا يعرف بالرجل اعرف الحق تعرف الرجال ) .
الثانية :
بطلان الخرافة التي يطلقها اليوم كثير من الكتاب الإسلاميين المعاصرين وفيهم بعض من يجلون شيخ الإسلام ابن تيمية : أن الخلاف في الفروع وليس في الأصول ."


 

و لنعلم متى يجوز الإنكار و من له حق ذلك نرجع إلى كلام الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (2/23) :

"ثم أنه انما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها وان كان من دقائق الافعال والاقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم انكاره بل ذلك للعلماء ثم العلماء انما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا انكار فيه لان على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطىء غير متعين لنا والاثم مرفوع عنه لكن ان ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق."

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتّباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا إجتنابه, و صلى الله على سيدنا و نبينا و شفيعنا محمد و على آله و صحبه و سلم .... و الحمدلله رب العالمين